عبد الله محمود شحاتة
857
تفسير القرآن الكريم
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 48 إلى 50 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ( 48 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ( 49 ) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً ( 50 ) المفردات : يقال : افترى فلان الكذب ؛ إذا اعتمله واختلقه ، وأصله من الفرى ، بمعنى : القطع ، وتزكية النفس : مدحها ، قال تعالى : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى . ( محمد : 32 ) والظلم : النقص ، والفتيل : ما يكون في شق نواة التمر مثل : الخيط ، وبه يضرب المثل في الشئ الحقير كما يضرب بمثقال الذرة ، قال الراغب : الإثم والآثام : اسم للأفعال المبطئة عن الثواب : أي : من الخيرات التي يثاب المرء عليها وقد يطلق الإثم على ما كان ضارا . تمهيد : بعد أن هدد سبحانه اليهود على الكفر ، وتوعدهم عليه بأشد الوعيد كطمس الوجوه والرد على الأدبار ، ثم بين أن ذلك الوعيد واقع لا محالة بقوله : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا . ذكر هنا أن هذا الوعيد وشديد التهديد إنما هو لجريمة الكفر ، فأما سائر الذنوب سواه فاللّه قد يغفرها ويتجاوز عن زلاتها . أخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال : لما نزل قوله تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . ( الزمر : 53 ) قام النبي صلى اللّه عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس ، فقام إليه رجل فقال : والشرك باللّه ، فسكت ، ثم قام إليه فقال : يا رسول اللّه والشرك باللّه تعالى فكست مرتين أو ثلاثا فنزلت هذه الآية : 48 - إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . بعد أن عدد مثالب اليهود ، بين أنهم إذا دخلوا في الإسلام واتبعوا طريق الإيمان ، غفر اللّه لهم كما يغفر سبحانه لكل مؤمن . والمعنى : إن اللّه لا يغفر لكافر مات على كفره ، ويغفر ما دون الكفر من الذنوب والمعاصي لمن يشاء أن يغفر له إذا مات من غير توبة ، فمن مات من المسلمين بدون توبة من الذنوب التي اقترفها فأمره مفوض إلى اللّه إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة ، وإن شاء عذبه وأدخله الجنة .